الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
16
أنوار الفقاهة ( كتاب التجارة )
التوكّل على اللّه وتفويض الأمر إليه في مهمّات الأمور ( انتهى ) . ثمّ استدلّ عليه أيضا بما يدلّ على أنّ « طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال فانّ المال مقسوم مضمون قد قسمه عادل وضمنه وسيفي به ، والعلم مخزون عند اللّه وقد أمرتم بطلبه من أهله فاطلبوه » « 1 » . وقال : إنّه صريح في المدّعى ، ثمّ نقل بعض حالات الأكابر من علماء « البحرين » في بدء أمرهم ، وشدّة الأمر عليهم حتّى كان بعض يمضي إلى الصحراء وقت الربيع ، ويأكل من حشيش الأرض ما يسدّ به جوعه ! وأمّا الطريق الثاني : هو التفصيل ، وحاصله القول بالتعارض بين الواجب العيني من طلب العلم ، وبين الواجب من طلب الرزق ، والظاهر تقديم الثاني لأنّ في تركه القاء النفس في التهلكة ، وأخرى بتعارض الواجب العيني من العلم مع المستحبّ من الرزق ، فيقدّم الأوّل بلا إشكال ، وقد يقال بتعارض الواجب العيني من طلب الرزق مع الواجب الكفائي من طلب العلم ، ولا ريب في تقديم الأوّل هنا أيضا ، هذا إذا لم يمكن الجمع بين الأمرين ( انتهى كلامه قدّس سرّه ) « 2 » . ولكن في كلامه مواقع للنظر : 1 - ما دلّ على التوكّل على اللّه إنّما هو من الأحكام الأخلاقية ، فلا تنافي الأحكام الواجبة ، مع إنّه أعمّ من المقصود . 2 - كذلك ما دلّ على تكفّل اللّه برزق طالبي العلم ، بل قد يناقض ذلك ما حكاه عن بعض أكابر عصره في أكله من حشيش الأرض ! والإنصاف أنّ ذلك للحثّ على تحصيل العلم إجمالا من غير النظر إلى موارد وجوب « تحصيل الرزق » وجوبا عينيا . 3 - قد يجب طلب الرزق مع عدم وقوع النفس في التهلكة ، كما إذا وقع عياله في عسر شديد ، فلا يمكن تقديم الثاني على الأوّل بهذه الجهة دائما . 4 - ليس الأمر من قبيل تعارض الخبرين حتّى تلاحظ نسبة الأعمّ والأخصّ وشبهها ، بل لا بدّ من ملاحظة مرجّحات باب التزاحم لأنّها من هذا القبيل .
--> ( 1 ) . أصول الكافي ، ج 1 ، ص 30 ، ح 4 . ( 2 ) . الحدائق الناضرة ، ج 18 ، ص 9 - 16 .